أنمي Parasyte .. رحلة استكشاف الطبيعة البشرية

893

بطل أنمي Parasyte هو Shinichi Izumi شينيتشي إيزومي، وهو مراهق طبيعي يبلغ من العمر 17 عامًا ويعيش في إحدى ضواحي طوكيو الهادئة حتى الآن، تبدأ مخلوقات غريبة ومجهولة المصدر تُعرف فيما بعد باسم ‘Parasites’ الطفيليات في الظهور على كوكب الأرض.

وتقوم هذه المخلوقات باختراق أجساد البشر للسيطرة على وعيهم واستخدام أجسادهم كمضيف للتغذية والتزود بالطاقة، ومن سوء الحظ، وفي أحد الليالي تقوم أحد الطفيليات باختراق جسد بطلنا إيزومي لكنها تفشل في السيطرة الكاملة عليه لأنها تسللت إلى داخله عن طريق يده اليمنى بدلًا من أذنه لأنه كان نائمًا وهو يضع السماعات، وبسبب هذا الموقف الغريب لا يزال وعي يزومي سليماً ومنفصلًا عن الطفيلي ‘Migi’ ميغ وهو اسم يعني باليابانية اليمين نظرًا لأن الطفيلي كان يسيطر على يده اليمنى.

وبسبب طبيعة العلاقة الغريبة التي تنشأ بين إيزومي وميغ، يضطران إلى العمل سوية من أجل البقاء والتغلب على الطفيليات الأخرى التي تهدد حياتهم، ومن خلال احتكاك ميغ مع إيزومي وتقربه منه أكثر فأكثر، تتكشف أسباب غزو هذه الطفيليات للأرض والتهديدات التي تشكلها على البشر وخاصةً أن الطفيليات تعتبر نفسها على قمة السلسلة الغذائية، وخلال متابعتنا للعلاقة الغريبة التي تربط هذين الإثنين، يتم الكشف عن الطبيعة البشرية والمفهوم العام للأخلاق والعواطف البشرية التي لا تملكها الطفيليات، كل هذه العوامل تجعل من أنمي الطفيليات مسلسلًأ نفسيًا لا يمكن للمرء أن يتجاهله.

هل البشر هم شياطين لكن في أجساد بشرية؟

لعل أكثر ما يميز أنمي Parasyte هو قدرته على تقديم الشرخ الأخلاقي الكبير بين الطفيلي ميغ ومضيفه البشري إيزومي، حيث أن إيزومي مثله مثل أي إنسان عادي يمتلك سمات التعاطف والتفاهم والمحبة، إلا أن ميغ وجميع بني جنسه فإنهم خاليين من العواطف وهدفهم الرئيسي هو النجاة والبقاء على قيد الحياة مهما كلف الأمر.

وبالرغم أن ميغ تعلم لغة البشر وكيفية التفاعل معهم وكأنه إنسان طبيعي، إلا أنه لا يستطيع فهم المشاعر الإنسانية العميقة، وهذا يخلق حوارات صادمة ولا تصدق بين هذين الإثنين، ولعل أبسط حوار هو دفاع ميغ عن طبيعته الطفيلية وعن هدفه في البقاء على قيد الحياة، حيث قال لإيزومي: “إذا كان لديك الحق في العيش، فنحن لدينا الحق أيضًا، أعتقد أن الحقوق هو مفهوم قام البشر بإيجاده لحماية أنفسهم فقط”.

إن الفلسفة الخطية والقاتمة التي يمتلكها ميغ تتناقض إلى حد كبير مع معتقدات إيزومي ودفاعه عن البشرية، لكن جميع وجهات النظر تبدأ بالتغير شيئًا فشيئًا عندما يتفاعل إيزومي مع ميغ والأحداث المؤلمة التي يمر بها، يبدأ إيزومي في إدراك أن الإنسانية لا تختلف كثيرًا عن معتقدات الطفيليات.

البشر على الرغم من امتلاكهم للذكاء العاطفي، إلا أنهم يسعون لإرضاء أنفسهم والبقاء على قيد الحياة، ومع مرور الوقت يتم تعزيز هذه الأيديولوجية في ذهن إيزومي، وخاصًة عندما يقوم ميغ بإخباره عن نتائج أبحاثه، ويعتبر هذا الحوار من أقوى الحوارات في المسلسل حيث يقول ميغ: “شينيتشي، عند البحث عن مفهوم الشياطين، أعتقد أن البشر هم الأقرب إلى ذلك من بين جميع أشكال الحياة الأخرى”، حيث تعتبر العلوم الإنسانية أن الشياطين هي مخلوقات أنانية وتجيد التلاعب ومدمرة، وهو نفس التعبير الذي أشار إليه ميغ لأنه عندما درس التاريخ الإنساني وجد البشر يقومون بالنفاق وسلب الموارد من الطبيعة بالإضافة إلى قتل البشر لبعضهم البعض.

هل شينيتشي إيزومي بطل غير أناني أم شيطان بلا قلب؟

إن النقد الفلسفي الذي يقوم بطرحه ميغ عن الإنسانيات والعيوب الأخلاقية في المجتمعات الإنسانية يبدأ بالتأثير على إيزومي، حيث يبدأ بالبرود العاطفي والجسدي، حيث تبدأ كآبة ميغ العاطفية في الظهور بداخله.

يظهر هذا البرود جليًا في ما يمكن اعتباره أحد أكثر المشاهد التي تقشعر لها الأبدان في السلسلة، وهي عندما يتخلص إيزومي من جثة جرو ميت في صندوق القمامة، معتبرًا أن هذا الجرو مجرد قطعة من لحم على شكل كلب بدون إظهار أي تعاطف وكأنه أقرب إلى الطفيليات، لكن مع زيادة البرود في قلبه كان يزداد قوة وصلابة، حيث يكتسب إيزومي الشجاعة للوقوف في وجه البشر الأشرار وخاصة عندما بدأ بإدراك قسوة وغرور البشرية، وهذا يظهر جليًا في المشهد عندما ينقذ قطة من مجموعة من البشر كانوا يلقون الحجارة عليها، ويبدو أنه كلما كان أقل تعاطفًا مع البشر، زاد تعاطفه مع الكائنات التي تقع ضحية للإنسانية.

كما نلاحظ افتقار إيزومي إلى الحس العاطفي على الرغم من قدرته على فهم المعاناة والشعور بها، لكنه لا يستطيع إظهار أي علامات تعبر عن انزعاجه أو معاناته، وهذا يظهر جليًا عندما يزور والده في المستشفى، وأيضًا بعد موت أصدقائه على يد طفيلي بالرغم من محاولاته العديدة لإنقاذهم، كل هذا يزيد من المسافة بين إيزومي والإنسانية شيئًا فشيئًا ويقوي علاقته مع ميغ في الخفاء.

هل أثبت البشر فشلهم كمخلوقات؟

هذا التحول الإيديولوجي المفاجئ من إنسان طبيعي إلى طفيلي ربما يكون أحد أكثر الجوانب تشويقًا في أنمي Parasyte لأنه يحاول رسم الصورة الأكبر والهدف من هذا المسلسل، حيث يحاول كاتب المسلسل Hitoshi Iwaaki هيتوشي إواكي أن يوضح صورة النفس البشرية وأخلاقياتها، وتعد الطفيليات الموجودة ضمن المسلسل أداة هامة للعرض لأنها كيان يشكل تهديدًا للإنسانية.

إن النفوذ الأخلاقي الذي يستخدمه البشر غالبًا لتبرير معاملتهم للأنواع الأخرى يتم استخدامه ضدهم من قبل الطفيليين الذين يبررون أفعالهم باستخدامهم لنفس المبادئ، حتى ترى الطفيليات أن قوانين البشر أكثر قساوة، حيث في أحد الأحاديث بين ميغ وإيزومي يقوم ميغ بالتعليق : ” إن الطفيليات يعتمدون على استهلاك نوع واحد من الكائنات لضمان بقائهم (أي البشر)، أما البشر فهم يقومون باستهلاك أنواع لا تعد من أجل الحصول على الغذاء وحتى الوصول إلى حد الرفاهية في الطعام”.

بشكل عام تعتبر حالة إيزومي الفريدة من نوعها من حيث وجوده بين عالمين مختلفين “العالم البشري وعالم الطفيليات” طريقة ممتازة لتصوير هذه المعضلة الأخلاقية، عبقرية هيتوشي ظهرت ضمن هذا المسلسل بتصويره طريقة غزو ميغ لحياة إيزومي، حيث لم يسيطر على جسده حرفيًا فحسب، بل قام بذلك نفسياً أيضًا عن طريق جعله يتساءل عن أكبر عيب داخل النفس البشرية وحتى قدرة الإنسان على تقرير الخير من الشر، بطريقة ما فإن المسلسل نفسه كأنه أشبه بطفيلي يغزو ذهن الجمهور مما يضطرهم إلى طرح العديد من الأسئلة الفلسفية والتي توصل في النهاية إلى الكآبة.

قد يبدو أن أنمي Parasyte ماهو إلا نقد وإدانة للبشرية، إلا أنه يجسد العكس تمامًا، مثلما تغيرت نظرة إيزومي للعالم بعد ارتباطه بميغ، يمكننا القول أن نظرة ميغ للطفيلات والبشر قد تغيرت أيضًا، في المراحل الأولى من علاقتهما ببعضهما البعض كان لا يزال ميغ مهتم بالحفاظ على حياته وحده ويدعي أن السبب الوحيد وراء تقديم المساعدة لإيزومي كان بسبب اعتماده عليه كمضيف.

وتدريجيًا فإن هذه العلاقة تتغير بشكل جذري، حيث تقوي روابطها من خلال المواجهات الوحشية مع الطفيليات، وعلى الرغم من أن ميغ لا يحمل سمات إنسانية وهو مجرد كائن حي يتطلع إلى البقاء على قيد الحياة، فإنه يصل في النهاية إلى استنتاج أن إيزومي يُعتبر صديقه وأنه سعيد لأنه فشل في السيطرة على دماغه، إن قدرة ميغ وإيزومي على التعايش تعتبر مثال جيد للتعايش بين الأنواع المختلفة.

غريزة الأمومة أم غريزة الطفيلي؟

ربما كان التطور في شخصية معلمة مدرسة إيزومي الثانوية والتي كانت تدعى Reiko Tamura ريكو تامورا، من أكثر التطورات تأثيرًا، ففي البداية كانت ريكو طفيلية باردة وقاسية مثل بقية أفراد جنسها، لكنها كانت تشكل تهديدًا بسبب نسبة ذكائها العالي وكانت ترفض الجنس البشري وتصفه بأنه غير عقلاني، لكن بعد فترة قصيرة يصبح لدى ريكو طفل بشري.

عندها بدأت ريكو في تطوير سمات الأمومة التي تظهر في الجنس البشري، وتطور هذا الحب إلى درجة أنه على عكس الطفيليات الأخرى كانت ريكو قادرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية المعقدة مثل الحب والضحك، إن هذه الصفات الإنسانية هي التي أدت في النهاية إلى قيام ريكو بالتضحية بنفسها من أجل الحفاظ على حياة ابنها المولود حديثًا، حيث قامت بحماية طفلها من وابل من الرصاص عن طريق حمايته بجسدها، تعتبر هذه اللحظة هي نقطة تحول كبيرة بالنسبة لها، حيث استطاعت استيعاب المشاعر البشرية وحتى الاستمتاع بها ولو لم تدم هذه المشاعر الجميلة لفترة طويلة.

الإنسانية سمة معدية!

إن موت ريكو الصادم ينعش قدرة إيزومي على التعبير عن مشاعره وحزنه وهي سمة تم تجريده منها بسبب تأثره بجانبه الطفيلي، كان هذا واضحًا في قدرته على البكاء على موت ريكو المأساوي.

إن الرسالة المضمنة في أنمي Parasyte تدل على أن الإنسانية على الرغم من خللها في تفسير بعض في الأمور، إلا أنها سمة ثمينة وقد لا تكون حكرًا على الإنسان وحده.

بشكل عام على الرغم من انتقاد المسلسل إلى حد كبير للبشرية وتأكيد ميلها إلى الجشع وحب الذات، يلقي أنمي Parasyte الضوء على القيم الأساسية المضمنة في الطبيعة البشرية ويوضح تأثير التطور النفسي على هذه القيم، يمكن اعتبار الطفيليات مرآة للإنسانية نفسها، وكأنها دعوة للاستيقاظ من أجل إجبار البشرية على تصحيح ونقد نفسها، ويعتبر أنمي الطفيليات رحلة استكشاف نفسي لما يعنيه أن تكون إنسانًا عندما يتم تهديدك من قبل أنواع أخرى.

اقرأ أيضًا

أنمي رعب .. قائمة بأكثر مسلسلات الأنمي إثارة للخوف

مسلسلات أنمي رعب ذات قصص غريبة وغير مألوفة

إخلاء المسؤولية
هذا المقال "أنمي Parasyte .. رحلة استكشاف الطبيعة البشرية" لا يعبر بالضرورة عن رأي فريق التحرير في الموقع.
Loading...