google-site-verification=32N8j_i_UuXSi5M8plOyD2gRvPoz4oaKvPsrsbwRlwY

كيف يستطيع الأعمى إدراك الألوان والتمييز بينها؟

23

إذا كنت تقرأ هذه الكلمات بنفسك، فهذا يعني أن الله قد حباك بنعمة عظيمة للغاية، وهي نعمة “البصر”. وبواسطة هذه النعمة والحاسّة المهمة للغاية، تستطيع القراءة والتعرف على الوجوه والأشياء، والألوان أيضًا. فأنت تفهم بسهولة ما معنى أن يكون لون السماء أزرق ولون الأزهار أحمر، كما تستطيع أن تميز بين الألوان وتصنفها. ولكن ماذا عن الإنسان “الأعمى” الذي ولد وهو مكفوف البصر ولم يشاهد أي لون في حياته؟ ما هي فكرته عن الألوان؟ وهل يستطيع إدراكها والتمييز بينها؟

ما هو الفارق بين المفاهيم الحقيقية وبين المفاهيم المحسوسة والمجردة؟

عندما نفكر بأي شيء من الأشياء، فهو يندرج حصرًا ضمن ثلاثة تصنيفات: فهو إما أن يكون مفهومًا ماديًا حقيقيًا وموجودًا بالفعل مثل كأس أو صخرة أو أي شيء آخر، أو أن يكون مفهومًا محسوسًا يمكن إدراكه بالحواس إلا أنه غير موجود في الواقع مثل الألوان، أو أن يكون مفهومًا مجردًا لا يمكن إدراكه بالحواس مثل مفهوم الحب أو الخوف. وقد وجد الباحثون أن كلًا من هذه المفاهيم ينبه جزءًا مختلفة من منطقة محددة من الدماغ.

دراسة جديدة لفهم طريقة إدراك العميان منذ الولادة للألوان

قام باحثون من جامعة هارفرد بإجراء دراسة تهدف إلى فهم طريقة تفكير الأشخاص الذي ولدوا فاقدي البصر بالألوان، وأيضًا لفهم كيفية معالجة الدماغ للأنماط المختلفة من المعلومات.

وقام الباحثون في هذه الدراسة بفحص أدمغة الأشخاص المشاركين في الدراسة بينما كانوا يفكرون بالأشياء المادية الملموسة وبالمفاهيم المجردة. ووجدوا أن كلًا من الحالتين تنبهان مناطق مختلفة من الدماغ، حيث أن الكلمات الدالة على المفاهيم المجردة كانت تنبه المناطق الدماغية المسؤولة عن اللغة، بينما تنبهت المراكز الحسية استجابة للمفاهيم المادية الحقيقية، إلا أن منطقة محددة من الدماغ أبدت نشاطًا عاليًا بالمقارنة مع بقية المناطق الدماغية، وهي الفص الصدغي الأمامي الأيسر.

وكنا قد أشرنا سابقًا إلى أن العالم ليس مكونًا من مفاهيم حقيقية ومجردة فقط، فماذا عن المفاهيم التي يمكن إدراكها بالحواس على الرغم من كونها غير موجودة في الواقع، كالألوان مثلًا؟ فاللون الأحمر هو مفهوم يمكن رؤيته وإدراكه إلا أنه غير موجود مثل كأس الماء أو شاشة الحاسوب، وهو مختلف عن مفهوم “الحب” أيضًا، والذي يعتبر مفهومًا غير واقعي ولا يمكن إدراكه بالحواس الخمس.

وقد حاول الباحثون تحديد المنطقة الدماغية المسؤولة عن إدراك كل من المفاهيم المحسوسة والمجردة، إلا أن الأمر كان صعبًا بسبب تداخل سياق تلك المفاهيم في أذهان المشاركين، وكانت الطريقة الأفضل لفعل ذلك عبر حذف أحد المتغيرات من الدراسة، وهو حاسة البصر، ومن ثم مراقبة اختلاف استجابة الدماغ.  

ما هي فكرة الأشخاص فاقدي البصر منذ الولادة عن الألوان؟

قام الباحثون بتطبيق الفكرة السابقة عبر مراقبة أدمغة 14 شخصًا مبصرًا و12 شخصًا أعمى منذ الولادة خلال تلقينهم بعض الكلمات. وكانت بعض هذه الكلمات تشير إلى أشياء حقيقية وملموسة مثل “الكأس”، وأخرى تشير إلى مفاهيم مجردة مثل “الحرية”، كما أن بعض الكلمات كانت تدل على مفاهيم محسوسة مثل “اللون الأحمر”.

وقد تبين أن أدمغة كلًا من الأشخاص المبصرين والعميان قد عالجت المفاهيم الملموسة والمجردة في نفس المناطق الدماغية دون أي اختلاف، إلا أن الفارق كان يكمن بالمفاهيم المحسوسة بصريًا. حيث أن المنطقة المسؤولة عن معالجة تلك المفاهيم لدى المبصرين كانت في الجزء الأمامي من الفص الصدغي الأمامي، بينما عالج الأشخاص العميان هذه المفاهيم في القسم الظهري الوحشي من الفص نفسه، أي من منطقة مختلفة من نفس الفص الدماغي، وهي نفس المنطقة المسؤولة عن معالجة المفاهيم المجردة. أي أن كلًا من المفاهيم المجردة والمحسوسة كانت تُعالج في نفس المنطقة الدماغية لدى الأشخاص العميان.

وقد خلص القائمون على الدراسة إلى أن الاستجابة العصبية لدى الأشخاص العميان منذ الولادة كانت متشابهة بالنسبة لكل من مفهوم اللون الأحمر ومفهوم العدالة، وهذا يعني أن مفهوم اللون بالنسبة للشخص الأعمى كان مجردًا أيضًا.

ولم تتمكن الدراسة من فهم السبب الذي يجعل الشخص الأعمى يدرك اللون كمفهوم مجرد، وهي مهمة الفلسفة فيما يبدو. إلا أن الدراسة تظهر أن الأشخاص فاقدي البصر منذ الولادة هم بارعون بشكل جيد في وصف الألوان وفهمها إلى درجة أنهم كانوا قادرين على تصنيف الألوان وترتيبها بشكل صحيح، ووضع اللون البنفسجي مثلًا إلى جانب الأزرق، واللون الأحمر إلى جانب البرتقالي. وهذا يعني أن الشخص الأعمى يفهم اللون، حتى ولو كان بمفهومه المجرد.

اقرأ أيضًا: ما هو مرض “عمى الألوان” وهل هو أكثر شيوعًا عند الذكور حقًا؟

وهكذا، فإن هذه الدراسة تظهر، وبشكل مثير، أن الأشخاص الذين ولدوا وهو فاقدين لنعمة البصر، يستطيعون فهم معنى الألوان والتمييز بينها وتصنيفها وترتيبها، وذلك عبر إدراك الألوان كمفاهيم مجردة شبيهة بمفاهيم الصدق والخير والحرية، وأن المنطقة الدماغية المسؤولة عن إدراك الألوان لديهم هي نفسها المسؤولة عن إدراك المفاهيم المجردة غير المحسوسة.

إخلاء المسؤولية
هذا المقال "كيف يستطيع الأعمى إدراك الألوان والتمييز بينها؟" لا يعبر بالضرورة عن رأي فريق التحرير في الموقع.
Loading...