ماهي حقيقة الملل ولماذا يصيبنا؟

هل تشعر بالملل؟ - مصدر الصورة Freepik
546

إن الملل هو شعور لا نحبه، فهو غير مريح، ولكنه بسيط، أليس كذلك؟ إن الملل يصيبنا كلنا، ولكننا الآن لدينا “فيسبوك” و”تويتر” و”يوتيوب” وبرامج المراسلة النصية المختلفة ولعبة “كاندي كراش” لكي نشغل أنفسنا. لذا حقيقةً، من يكترث؟

حسناً، إليكم الأمر: إن الألم الجسدي، انفطار القلب، والغثيان، كلها أمور غير مريحة أيضًا وتسببها أشياء سامة وخطيرة، بينما الملل يحدث حين تكون غير مهتم بالعالم الخارجي والعالم الداخلي “أفكارك”، حين تكون وحيداً مع نفسك فقط. لذا، هل وجود الملل يعني أنه حين يصل الأمر إلى الحياة نفسها، فالوجود لا يكفي فعلياً؟ قال آرثر شوبنهور: “إن احتوت الحياة على قيمة إيجابية بالمعنى الحقيقي، فلن يكون هناك شيء اسمه الملل. إن الوجود وحده سيكون كافياً ومشبعاً للذات”.

على ما يبدو، لا تمتلك الحياة هذه القيمة، لأن الملل موجود. هل هناك شيء ما خاطئ بالوجود؟ أو هل هناك شيء ما غريب يتعلق بنا؟

ما هي حقيقة الملل؟

منذ حوالي ٢٠٠ سنة تقريباً، كتب “جاكومو ليوباردي” رسالة إلى أبيه قال فيها: “الملل هو أسمى المشاعر البشرية، لأنه يعبر عن حقيقة أن الروح البشرية، بشكل ما، [أكبر] من الكون برمته. إن الملل هو تعبير عن يأس شديد بسبب عدم العثور على أي شيء يمكن أن يشبع حاجات الروح غير المحدودة”.

إذاً، رغم أن الملل قد يبدو بشكل سطحي أمراً تافهًا أو طفوليًا، محرجًا، ويكاد يكون من الوقاحة أن تعترف به، هناك شيء واحد أكيد، أن الملل ليس مملاً.

تظهر صور الرنين المغناطيسي لأدمغة الناس وهم يشعرون بالملل نشاطاً أكبر في مناطق مسؤولة عن الذاكرة الشخصية، واستيعاب أفكار ومشاعر الآخرين، واستحضار أحداث افتراضية (التخيل).

الملل
الملل – مصدر الصورة Pixabay

كتبت “جنيفر شوسلر” عن هذا في أطروحتها المعنونة بشكل مناسب “مللنا، أنفسنا”. أشارت إلى أنه بضوء الأدلة العصبية، فإن الملل قد كان تاريخياً “مصدرًا مهمًا للإبداع والرفاهية وشعورنا بالذات”. إنها حالة مفروضة تتركنا لكي نفكر في أنفسنا، لنلاحظ أشياء ربما تغاضينا عنها، وللتحمس بما فيه لكي نقوم بأفعال مثمرة ربما كنا لنتجاهلها، مثل التنظيف والكتابة، أو تحدي الدماغ بالأحاجي والألعاب. كعامل ضغط للتحرك، فإن الملل ربما قادنا لنحقق معظم ما حققناه.

هل يمكن قياس الملل؟

مقياس الميل إلى الملل، “م. م. م”، يقيم ميل الأفراد للتعرض للملل. يمكننا أن نأخذ القياسات على “م. م. م” ونربطها بأشياء أخرى. على سبيل المثال، إن الناس الذين يعرفون أنفسهم جيداً، ويستطيعون بسهولة أن يصنفوا مشاعرهم، ولديهم مستوى عال من الوعي الذاتي، يميلون أن يكون لديهم نزعة أقل للشعور بالملل.
يمكنك تجربة اختبار لقياس الميل للملل لديك في هذا الموقع (باللغة الإنكليزية).

هل النزعة للملل هي أمر عضوي؟

وحين يتعلق الأمر بالشعور بالملل بكثرة، فيكون المسبب ربما البنية العضوية للإنسان نفسه. إن الأفراد الذين لديهم مستقبلات دوبامين أقل في الدماغ يميلون إلى احتياج مزيد من الإثارة لكي يبقوا محفزين، ما يعني أن الملل المزمن ربما يكون عرضاً لطبيعة جسدك. عرضٌ إذا لم يتم تشخيصه فربما يصبح شيئاً أسوأ، مثل الاكتئاب، القلق، إدمان المخدرات، إدمان الكحول، العدائية، سوء المهارات الاجتماعية، العلامات الدراسية السيئة، والأداء السيء في العمل.
في الحقيقة، أورد المركز الوطني للإدمان وإساءة استخدام العقاقير في تقرير أن أهم ثلاثة عوامل خطر لتعاطي المخدرات لدى المراهقين هي التوتر المفرط، صرف المال المفرط، والملل المفرط.
ويشير مركز طبي آخر في نيويورك إلى أن المدمنين قالوا إن الإدمان لديهم هي المؤشر الوحيد الموثوق حول ما إن كانوا سيعودون لتعاطي المخدرات أو لا.

ارتباط مستويات الملل بالإدمان
ارتباط مستويات الملل بالإدمان – مصدر الصورة Pixabay

أضرار الملل

إن أدمغتنا تحتاج إلى التحفيز لكي تكون بصحة جيدة. ليس كثيراً بحيث يتم إرهاقها، وإنما بتوازن مثالي مختلف لكل إنسان، وبناء عليه يكون أداؤها مثالياً، مع تركيز نشيط، لتستمر بما يسميه علماء النفس “التدفق”.
إذا كان التحفيز ضعيفاً فإن أدمغتنا ستتصرف بأي طريقة على أمل أن تجد بعضاً منه في مكان ما لتمنع شيئاً أسوأ من الحدوث. أدمغتنا مصابة بالـ”ثاسوفوبيا” أي الخوف من الملل.
تشير أبحاث نورمان دويجز أنه “لاشيء يسرع من ضمور الدماغ أكثر من الثبات في نفس البيئة. إن الرتابة تتلف الدوبامين وأنظمة الانتباه الحيوية للحفاظ على ليونة الدماغ.”. إن التنوع والتحفيز يشجعان تكوين الخلايا العصبية، خلايا الدماغ الجديدة، ويمكن أن تمد حياة الخلايا الموجودة فعلاً في مناطق معينة من الدماغ.
من أجل تجنب نقص التحفيز، أدمغتنا ستحاول أن تخلق تحفيزها الخاص، الهلوسات. يمكن ظهور الهلوسات في دماغ أي إنسان تقريباً، إذا لم يكن هناك تحفيز كاف.

عجلة المشاعر وأهمية الملل

إن الملل البسيط الذي تشعر به وأنت تنتظر في المطار، أو حين تستمع إلى محاضرة مملة، ليس اعتلالاً أو مزاجاً، إنه شعور.
عجلة “روبرت بلوتشيك” للمشاعر هي طريقة جيدة لتصوير هذا. العجلة مبنية على ثمانية مشاعر أساسية تم توسيعها حسب الشدة. ويتواجد الملل فيها كنسخة خفيفة من القرف.

عجلة بلوتشيك للمشاعر
عجلة بلوتشيك للمشاعر – مصدر الصورة wikipedia

إن المشاعر ليست كماليات، والكميات الطبيعية منها لها هدف. إن المخلوقات التي تملك مشاعر مجبرة غالبًا أن تفعل أو ألا تفعل أشياء معقدة أكثر من الأكل والشرب والنوم والتكاثر، مثل كسب الصداقات، الاعتذار، الحب بدون شروط والتخطيط والبناء للمستقبل.
القرف هو شعور لا نحبه. يمنعنا من فعل الأشياء، فهدفه هو التحذير، إنذار تطلقه أشياء تبدو عفنة، أو فاسدة أو سامة، قد تتسبب بتسميمنا أو إصابتنا بالمرض. مثل صديق جيد، يبعدنا القرف عن أشياء من هذا القبيل، ويرشدنا إلى الطريق الصحيح.
وبنفس الطريقة فإن الملل يحمينا من المتحدثين المملين، أو المهمات التي تخدر العقل، والرتابة المرهقة. هذه الأشياء ليست وسخة أو مسممة، ولكنها ليست محفزة بما فيه الكفاية. يجبرنا الملل على تجريب أشياء جديدة، وإيجاد تحفيز جديد، وحين لا يمكن التغلب عليه فإن الميل للملل هو مؤشر على عقل سليم. إن الملل مفيد، فالمخلوقات التي تشعر به تنجز أكثر، وتتطور أكثر.

هل شعرت بالملل أثناء قرائتك لهذا الموضوع؟ أخبرنا عن الأمور التي تقوم بها كي تسلي نفسك في قسم التعليقات. وفي المرة القادمة التي تشعر بها بالملل، كن فخوراً، فأنت تشارك في تحسين الحياة!

 

قد يعجبك أيضًا:

10 تجارب قريبة من الموت ستود أن تصدق بأنها حقيقية
إخلاء المسؤولية
هذا المقال "ماهي حقيقة الملل ولماذا يصيبنا؟" لا يعبر بالضرورة عن رأي فريق التحرير في الموقع.
مصدر Vsauce
Loading...