هل سنتمكن قريبًا من فهم لغة الحيوانات والتحدث معها؟

22

لا بدّ وأننا جميعًا استمتعنا خلال طفولتنا بمشاهدة الأفلام والمسلسلات الكرتونية التي كان فيها أبطالنا يتحدثون إلى الحيوانات ويتخذونهم أصدقاءً مقربين وربما يتعاونون معهم لمحاربة الأشرار. ولعلنا لم نكن نستغرب هذه الفكرة كثيرًا في تلك الفترة على الرغم من أننا نجدها غير معقولة الآن. ولكن ماذا لو تمكن الإنسان فعلًا من فهم لغة الحيوانات والتحدث معها؟ وهل تمتلك الحيوانات في الأصل لغة ذات قواعد محددة حتى نتعلمها؟ يبدو أن فضول الإنسان لا حدود له!

يا عصافير الغابة، اجتمعوا!

في عام 2017، قدم الباحثون للعالم حيوانًا يستخدم لغة ذات قواعد محددة للتواصل، وهو طائر صغير يدعى بالعصفور الياباني. وكما هو الحال بالنسبة للغات البشر حين يختلف معنى الجملة باختلاف ترتيب كلماتها، فقد اكتشف الباحثون أن هذه الطيور ترتب صيحاتها وأصواتها بطريقة محددة للتواصل مع بعضها البعض.

وقد قام الباحثون خلال دراستهم بتسجيل مجموعة من أصوات هذه الطيور وقاموا بتشغيلها مجددًا أمام سرب منها وملاحظة ردود فعل طيور السرب. وقد لاحظ الباحثون أنه لدى تهديد حيوان مفترس للسرب، أطلقت الطيور أصواتًا تدعى “صيحة التجمهر”، ولهذه الأصوات ترتيب معين ABC-D. أما الأصوات ABC وحدها فكانت تعني “خطر”، والجزء D وحده كان يستخدم لجذب أفراد السرب لتشارك شيء ما، كالطعام مثلًا. ولكن عند جمع الجزئين معًا بتسلسل ABC-D، فإن هذه الأصوات كانت تستخدم لطلب اجتماع السرب ومهاجمة العنصر الغريب المعتدي.

وعندما قام الباحثون بتسجيل هذه الأصوات وتشغيلها من جديد بترتيب ABC-D أمام طيور السرب، فقد لاحظوا أن الطيور أدارت رؤوسها واقتربت من مصدر الصوت، أما عندما شغلوا الأصوات بترتيب معاكس D-ABC لم ترتكس تلك الحيوانات. وكانت هذه التجربة دليلًا قويًا على أن المعنى يختلف باختلاف ترتيب الأصوات التي تصدرها الطيور.

بإمكانك الحديث مع الفيلة أيضًا لو أردت

إذ يوجد اليوم حيوان واحد على الأقل يمكنك التحدث معه بشكل من الأشكال، وهو الفيل. فقد قامت عالمة الأحياء جويس بول وفريقها بتسجيل آلاف الأصوات التي تصدرها الفيلة، وصنفوها إلى فئات متعددة ضمن قاعدة بيانات ضخمة يمكن للجميع الاستفادة منها. كما قاموا بتصميم مترجم الكتروني متوفر على شبكة الانترنت يحول الصوت أو النصوص أو الوجوه التعبيرية التي تدخلها إلى أصوات خاصة بالفيلة. فمثلًا لو قمت بكتابة “هيا نأكل” فإن هذه العبارة ستتحول إلى صوت معين يشبه صوت البوق، وهكذا.

دور الذكاء الاصطناعي في فهم لغة الحيوانات

ولكن في بعض الأحيان تكون لغة الحيوانات معقدة للغاية ولا يمكن تقسيمها إلى أصوات بسيطة منفردة، ولذلك اعتمد العلماء من أجل هذا على تقنية الذكاء الاصطناعي أو ما يدعى “تعلّم الآلة”. والتي تعني أن يقوم الإنسان بتدريب الآلات أو الحواسيب على إيجاد حلول مبتكرة للمشاكل بدلًا من تزويدها بالأوامر بشكل مستمر كما هو الحال مع الحواسيب التقليدية. مثلًا، إذا كنت تريد تدريب الذكاء الاصطناعي على تصنيف الكلاب إلى سلالات مختلفة، يمكنك أن تزود الحاسوب بمجموعة من الصور للكلاب، وكل كلب منها مرفق بإشارة تدل على سلالته وصنفه، ومن خلال تحليل الصور يمكن للحاسوب بعد ذلك تصنيف الكلاب إلى سلالاتها من تلقاء نفسه.

وقد استخدم العلماء هذه التقنية في دراسة لغة الحيوانات، واكتشفوا بفضلها أن خفافيش الفاكهة المصرية يمكنها أن تتناقش مع بعضها البعض، وذلك عبر تسجيل حوالي 15,000 صوتًا من أصوات هذه الخفافيش، ومن ثم وضعها ضمن خوارزمية ذكاء اصطناعي. وقد تبين أن هذه الخفافيش لم تكن تصدر أصواتًا عشوائية، بل كانت توجه أصواتها لأفراد معينين، وكانت تتحدث حول الطعام والأماكن أو بشكل رومانسي مع الشركاء العاطفيين.

وضمن هذا المجال، يقوم فريق من السويد باستخدام الذكاء الاصطناعي للتعمق بشكل أكبر في لغة الدلافين، فقد أعلنوا في عام 2017 أنهم ينوون استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي في تحليل اللغة لتأليف وتصنيف قاموس خاص بلغة الدلافين. ونحن نعلم الآن أن الدلافين تطلق أسماءً على بعضها البعض، ويتوقع العلماء أن هناك ترتيبًا محددًا ذو معنى وقواعد نحوية للغة الدلافين. ويعتزم باحثون من المعهد الملكي للتكنولوجيا في السويد قضاء أربعة سنوات في مراقبة الدلافين وتسجيل أصواتها، ومن ثم استخدام هذه الأصوات التي تم جمعها في محاولة للتحدث معها.

وأخيرًا، فعلى الرغم من أن هذه الجهود العلمية الحثيثة في محاولة فهم لغة الحيوانات والتحدث معها تبدو جهودًا طيبة، ولكنها ربما لا تكون كذلك. فكيف يمكن مثلًا استخدام الدلافين أو الحيوانات عمومًا في حروب البشر وتجنيدها لصالحهم بدون أن نتمكن من التحدث معها وإعطائها الأوامر العسكرية؟ فالعلم كان وسيبقى سلاحًا ذو حدين بيد الإنسان.

Loading...